arias3_MAXIM GUCHEKBELTAAFP via Getty Images_ukrainerussiatalks Maxim Guchekbelta/AFP via Getty Images

التفاوض مع بوتن هو السبيل الوحيد إلى الأمام

سان خوسيه ــ مع اشتداد حدة الأزمة في أوكرانيا، تشتد الحاجة إلى المفاوضات. وقد حَـذَّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش من أن أوكرانيا "تُـخَـرَّبَ تحت أنظار العالم"، والخيار المعقول الوحيد هو "وقف الأعمال العدائية على الفور والانخراط في مفاوضات جادة على أساس مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي".

على الرغم من المحادثات الجارية بين أوكرانيا وروسيا، فإن التقارير الإخبارية أكدت فشلها في إحراز أي تقدم. لكن من المؤكد أن التسوية التفاوضية هي السبيل الوحيد إلى الأمام. فحتى في المواقف التي تبدو مستعصية على الحل بين قوى عنيدة متصلبة، يمكن أن تكون الغَـلَـبة لقوة العقل والمنطق. إن الحوار قادر على تحويل المستحيل إلى ممكن. وأنا أعلم هذا من تجربة شخصية.

أثناء ولايتي الأولى كرئيس لدولة كوستاريكا في ثمانينيات القرن العشرين، كان الوضع في أميركا الوسطى يُـعَـد أيضا مستعصيا على الحل. فقد أفضت الحروب الأهلية في جواتيمالا والسلفادور ونيكاراجوا إلى ظروف مروعة من إراقة الدماء والمعاناة. وبدت إمكانية التوصل إلى اتفاقيات سلام شاملة بين الأطراف المتحاربة أشبه بحلم بعيد المنال ــ على الأقل في نظر من يصفون أنفسهم على أنهم واقعيون. مع ذلك، تمكنا من جمع الأطراف معا، وحدث ما كنا نتمناه: انتهت الحروب.

إن حدوث شيء مماثل في أوكرانيا لا يزال في حكم الممكن. صحيح أن الغزو الروسي يشكل انتهاكا صارخا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، لكن هذا لا ينفي إمكانية التوصل إلى اتفاق يضمن السلام والأمن لكل من روسيا وأوكرانيا.

لنتأمل هنا البدائل. جاء رد المجتمع الدولي على الغزو بالعقوبات والأسلحة، لكن لا أحد يعتقد أن العقوبات والأسلحة وحدها كافية لإنهاء معاناة أوكرانيا. ربما تساعد الأسلحة والذخائر المدافعين الشجعان عن أوكرانيا في مواجهة الدبابات والطائرات الروسية، لكنها قد تعمل أيضا إلى إطالة أمد الحرب وزيادة أعداد القتلى والجرحى. ورغم أن بعض الناس ربما يرحبون بصراع أطول أمدا كاستراتيجية لإنهاك القوات الروسية والضغط على حكومة الرئيس الروسي فلاديمير بوتن، فإن هذه الاستراتيجية من شأنها أن تُـسـفِـر أيضا عن تكاليف بشرية هائلة ــ حتى لو تبين أنها تعمل على النحو المخطط لها.

فسوف يموت عدد أكبر من الناس على كلا الجانبين، وسوف يؤدي المزيد من الاضطرابات داخل روسيا إلى حملات قمع أشد قسوة وشراسة بل وحتى خسارة أكبر للحريات الأساسية والحريات المدنية. كلما طال أمد الصراع، وكلما اتسعت هوة الخلاف والانقسام بين روسيا وديمقراطيات العالم، تزداد صعوبة ملاحقة هدف التعاون الدولي بشأن تغير المناخ، والتعافي من الجائحة، والاستقرار المالي، وسيادة القانون، وربما الأمر الأكثر أهمية الأمن النووي.

Introductory Offer: Save 30% on PS Digital
PS_Digital_1333x1000_Intro-Offer1

Introductory Offer: Save 30% on PS Digital

Access every new PS commentary, our entire On Point suite of subscriber-exclusive content – including Longer Reads, Insider Interviews, Big Picture/Big Question, and Say More – and the full PS archive.

Subscribe Now

كلما طال أمد هذه الحرب، يصبح خطر وقوع محرقة نووية أعظم. وبالفعل، يلقي هذا الشبح الآن بظلاله الكئيبة على كل الاعتبارات الجيوسياسية والإقليمية والوطنية الأخرى. الواقع أن جورج ف. كينان، الدبلوماسي المخضرم من القرن العشرين والذي صاغ سياسة الاحتواء التي انتهجتها الولايات المتحدة في الحرب الباردة، عبر عن هذا الموقف على النحو اللائق:

"الاستعداد لاستخدام الأسلحة النووية ضد آخرين من البشر ــ ضد أشخاص لا نعرفهم، ولم نلتق بهم قَـط، والذين ليس لنا أن نقرر كونهم مذنبين أو أبرياء ــ وبذلك نعرض للخطر البنية الطبيعية التي تقوم عليها كل الحضارات، كما لو أن سلامة جيلنا ومصالحه المتصورة أكثر أهمية من كل ما حدث أو قد يحدث في الحضارة: هذا لا يمكن وصفه بأقل من كونه وقاحة، وكُـفرا، وإهانة سافرة ــ إهانة ذات أبعاد وحشية لناموس الرب!"

في أزمة اليوم، ينبغي لكل الأطراف المعنية أن تتعهد، في أقل تقدير، بأنها لن تكون أول من يستخدم سلاحا نوويا أو يهدد باستخدامه. ولن يتسنى لنا تحقيق هذه الغاية إلا من خلال الحوار والتفاوض.

في خطاب تنصيبه عام 1961، قال الرئيس الأميركي جون ف. كينيدي: "دعونا لا نتفاوض أبدا بدافع الخوف. بل دعونا لا نخاف أبدا من التفاوض". ثم وضع هذه الكلمات موضع التنفيذ. فبعد أزمة الصواريخ الكوبية في عام 1962 ــ التي كادت تقود العالم إلى نهاية مأساوية ــ جاءت المفاوضات التي انتهت إلى إبرام معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، التي تستند إلى الوعد بنزع السلاح النووي. اليوم، تضم عضوية هذه المعاهدة 191 دولة ــ بما في ذلك روسيا، والولايات المتحدة، ودول منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو).

لقد اجتمعنا من قبل على نبذ سياسة حافة الهاوية؛ ونحن قادرون على أن نفعل ذلك مرة أخرى. إن القرار الصادر مؤخرا عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن أوكرانيا "يحض على السعي إلى التوصل إلى حل سلمي فوري للصراع الدائر بين الاتحاد الروسي وأوكرانيا من خلال الحوار السياسي، والمفاوضات، والوساطة وغير ذلك من الوسائل السلمية". الحق أن هذه الكلمات تعبر عن رغبة الناس في كل مكان.

بطبيعة الحال، لن يكون التفاوض على تسوية شاملة بالأمر السهل. ولن تكون الاجتماعات المتفرقة للتعبير عن المظالم السياسية مفيدة. المطلوب الآن هو وقف إطلاق النار والانخراط في حوار جاد على أعلى المستويات. ينبغي لنا أن نشيد بكل الجهود في هذا الاتجاه، وأن نتذكر دوما أن البديل هو أعمال عدائية متزايدة الاتساع والوحشية. لهذا السبب انضم إليّ عدد كبير من الحائزين على جائزة نوبل للسلام في توجيه الدعوة إلى قادة أوكرانيا وروسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة ودول أخرى للسعي وراء الدبلوماسية الرفيعة المستوى على الفور.

يتعين على أطراف المفاوضات ــ وحتى المسؤولين على أعلى المستويات ــ أن يضعوا في اعتبارهم أنهم من غير الممكن أن يتوقعوا الحصول على كل ما يريدون. يجب أن يكونوا على استعداد لتفهم مصالح ووجهات نظر الأطراف الأخرى. يجب أن نضمن لأوكرانيا سيادتها، وأمنها، وديمقراطيتها. ويجب أن نضمن لروسيا أن مصالحها الأمنية موضع احترام وأن الإرادة متوفرة لاستيعابها. ويجب أن يكون كلا الجانبين على استعداد للتحلي بالمرونة وتقديم التنازلات.

من المؤكد أن المفاوضات من الممكن أن تُـفـضـي إلى التقدم نحو السلام، شريطة احترام هذه الشروط. الواقع أن المفاوضات هي النهج الوحيد الكفيل بإنتاج حل دائم. ورغم أن هذا الاحتمال قد يبدو بعيد المنال الآن، فلا يجوز لنا أن نفقد الأمل. كما كتب شاعر كوستاريكا إسحاق فيليب أزوفيفا:

صحيح يا بني أن كل النجوم قد رحلت.
لكن السماء لا تكون أشد ظُـلـمـة إلا عندما يوشك الفجر أن يبزغ.

نحن نعيش في أوقات مظلمة. لكن المأساة قد تكون في بعض الأحيان الرحم الذي يتمخض عن مستقبل أكثر إشراقا. لقد شهدت هذا في أميركا الوسطى. وأتمنى أن يشهده العالم قريبا في أوكرانيا.

ترجمة: إبراهيم محمد علي            Translated by: Ibrahim M. Ali

https://prosyn.org/mY78QArar