باريس/كوالالمبور ــ لم يكن ظهور فيروس SARS-CoV-2 سببا في اندلاع جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19) العالمية وحسب، بل تسبب أيضا في إشعال شرارة هجمة شرسة من المعلومات المضللة. فقد روج بعض المضللين لعقاقير مثل هيدروكسي كلوروكوين كعلاجات للمرض، على الرغم من عدم كفاية الأدلة العلمية التي تؤكد على فعاليتها؛ وأعلن آخرون عن لقاح كوفيد-19 قبل اختبار سلامته وفعاليته بدقة. من ناحية أخرى، تنتشر على نطاق واسع على وسائط التواصل الاجتماعي نظريات مؤامرة شاذة وبعيدة الاجتمال حول الجائحة.
تُـعَـرِّف منظمة الصحة العالمية "الجائحة المعلوماتية" على أنها "وفرة مفرطة من المعلومات ــ بعضها دقيق وبعضها الآخر غير دقيق ــ التي تجعل من الصعب على الناس العثور على مصادر جديرة بالثقة ويمكن التعويل عليها للإرشاد والتوجيه عندما يحتاجون إليها". واليوم، يهدد الحجم الهائل من المعلومات الخاطئة والمضللة حول كوفيد-19 بتقويض الاستجابات القائمة على الأدلة للجائحة ــ ولا يجوز للعلماء أن يقفوا موقف المتفرج.
على سبيل المثال، عقدت جمعية الإيدز الدولية مؤخرا أول مؤتمر دولي افتراضي حول الإيدز وأول مؤتمر قائم على الملخصات حول كوفيد-19. لكن البحث المهم الذي جرى تقديمه في هذه الاجتماعات مهدد بالضياع بالفعل وسط طوفان من المحتوى الذي يروج له منكرو الـعِـلم وأصحاب نظريات المؤامرة الذين يتحدون صراحة الأساليب البحثية الراسخة. يتمثل أمر آخر أقل بروزا، لكنه لا يقل انتشارا وضررا، في تحريف الحقائق على نحو أكثر براعة وحِذقا، والدعاية، والمبالغة في ما يتعلق بكوفيد-19. ولهذا، يحتاج العالم إلى العلماء للمساعدة في فصل الحقائق عن شبه الحقائق.
بصفتنا باحثين دوليين في مجال فيروس نقص المناعة البشرية، فإننا نعرف ما هو على المحك. على مدار أربعة عقود من الزمن، كان بوسعنا أن نعاين بشكل مباشر العواقب المميتة للمعلومات المضللة. لقد واجهنا منكري الإيدز والمتطرفين المناهضين للقاحات، وتصدينا لوصمة العار والأساطير التي لا تزال تمنع العديد من أولئك الأشد احتياجا إلى الرعاية الصحية المنقذة للحياة من الوصول إليها.
يُـذَكِّـرُنا كثيرون من أولئك الذين يتحدثون بصخب على موجات الأثير ويُـمـطِرون الإنترنت بوابل من الادعاءات الكاذبة حول كوفيد-19 ــ يعرضون علاجات وهمية، ويستخفون بعواقب هذا المرض، ويتجاهلون أولئك الأكثر تضررا بالفيروس ــ بنبرة الأحاديث حول وباء الإيدز في أيامه الأولى. فرغم أن وباء الإيدز علمنا أن المعلومات المضللة قاتلة، فقد أظهر لنا أيضا مدى قوة المجتمعات الطبية والبحثية عندما تتحد معا، وتتحدث بصراحة، وتطالب بالاهتمام والتحرك العاجل لمعالجة الأزمة.
يتدرب العلماء والأطباء والباحثون على الموضوعية. لكن الموضوعية لا تعني الصمت. بل يستلزم التصدي للهجمات على الـعِـلم أن يتحدى الباحثون ومقدمو الرعاية الصحية على الخطوط الأمامية المنكرين وأن يفضحوا افتقارهم إلى الأدلة، وتلاعبهم بالبيانات، وأكاذيبهم الصريحة.
Access every new PS commentary, our entire On Point suite of subscriber-exclusive content – including Longer Reads, Insider Interviews, Big Picture/Big Question, and Say More – and the full PS archive.
Subscribe Now
لم تكن أعظم انتصارات الباحثين في مجال الإيدز راجعة إلى الاختراقات العلمية وحدها، بل كانت نتيجة لتشكيل جبهة موحدة مع صناع السياسات والناشطين على مستوى القاعدة. ومنذ الأيام الأولى للاستجابة لفيروس نقص المناعة البشرية، ضغط النشطاء على الساسة لحملهم على إعطاء العلماء المزيد من الموارد لإجراء البحوث حول هذا الفيروس، ودعوا إلى تحسين القدرة على الوصول إلى العلاج.
تُـعَـد الاستجابة العالمية لكوفيد-19 أحدث دليل على أننا أكثر قدرة على الصمود في وجه التهديدات الصحية عندما يحرص العلماء والساسة على تبادل المعلومات، ويتلقى الجمهور معلومات واضحة وشفافة. كانت البلدان الأفضل أداء في التعامل مع الجائحة هي تلك حيث عملت هذه الفئات الثلاث معا بفعالية.
يتطلب ضمان مثل هذا التعاون أن ينبري العلماء ــ الذين دُفِـع بهم إلى دائرة الضوء العالمية هذا العام وتعرضوا للهجوم في كثير من الأحيان ــ إلى الدفاع عن سلامة العملية العلمية وتشكيل تحالفات أقوى مع صناع السياسات والناشطين. ربما يستغرق البحث العلمي بعض الوقت، وربما تتغير الاستنتاجات مع ورود أدلة جديدة وتحليل هذه الأدلة، ولكن لا يجوز لصناع السياسات أن يتلاعبوا بصحة الناس من خلال التحايل على العملية لتحقيق مكاسب سياسية.
يتعين علينا أن نحتشد خلف زملائنا لنُـظـهِـر للعالم أنهم ليسوا وحدهم في مناصرة السياسات والتدخلات القائمة على الأدلة لمكافحة كوفيد-19. لقد أصبحنا جميعا بفضل عملنا كباحثين في مجال فيروس نقص المناعة البشرية نشطاء بشكل تلقائي. والآن، أكثر من أي وقت مضى، يتعين على زملائنا العلميين أن يضطلعوا بدور دفاعي مماثل في مواجهة الأكاذيب والأساطير، وأن يحرصوا على حماية سلامة العملية العلمية.
على هذا، فإننا ندعو الحكومات إلى حماية استقلال المؤسسات العلمية الوطنية والمتعددة الأطراف. ونحن نوجه الدعوة أيضا إلى شركات وسائط التواصل الاجتماعي لاحتواء انتشار المعلومات المضللة بدلا من تسهيل انتشارها. فلم يعد بوسع شركات التكنولوجيا العملاقة أن تتظاهر بكونها مجرد منصات لا تتحمل أي مسؤولية عن الرسائل التي تعمل على تضخيمها.
على نحو مماثل، ندعو وسائل الإعلام إلى ضمان دقة عرض التغطية والعناوين الرئيسية للمعرفة العلمية. فمن الواضح أن تقديم النتائج العلمية بشكل انتقائي أو خارج السياق من أجل الترويج لسرديات بعينها ممارسة غير أخلاقية على الإطلاق. كما ندعو المشرعين إلى تبني القوانين والسياسات المرتبطة بالصحة القائمة على الأدلة فقط. الواقع أن العديد من القوانين لا تزال تجرم المرض بدلا من وصمة العار وما يصاحبها من تمييز.
إن احتواء الجائحة المعلوماتية المرتبطة بكوفيد-19 يتطلب ليس تحري الحقائق وحسب، بل وأيضا توفير الدعم المنسق والاستراتيجي الذي اشتهر به أولئك الذين يكافحون فيروس نقص المناعة البشرية. فالصمت قاتل في مواجهة المعلومات المضللة. ويتعين على جميع شرائح المجتمع أن تتحرك الآن لتبديد الأساطير وتضخيم صوت الـعِـلم. فحياتنا، وخاصة حياة أفقر الناس وأكثرهم تهميشا، تعتمد على هذا.
شارك في التوقيع على هذا التعليق أنطون بوزنياك، أستاذ الأبحاث السريرية في كلية لندن لعلوم الصحة وطب المناطق الحارة، وطبيب استشاري في مستشفى تشيلسي وويستمنستر، والرئيس السابق لجمعية الإيدز الدولية (2018-2020)؛ ليندا جيل بيكر، أستاذة الطب ومديرة مركز ديزموند توتو لأبحاث مرض نقص المناعة البشرية في جامعة كيب تاون، ورئيسة جمعية الإيدز الدولية سابقا (2016-2018)؛ وكريس برير أستاذ الصحة العامة وحقوق الإنسان في كلية جونز هوبكنز بلومبيرج للصحة العامة، والرئيس السابق لجمعية الإيدز الدولية (2014-2016).
ترجمة: إبراهيم محمد علي Translated by: Ibrahim M. Ali
To have unlimited access to our content including in-depth commentaries, book reviews, exclusive interviews, PS OnPoint and PS The Big Picture, please subscribe
US Treasury Secretary Scott Bessent’s defense of President Donald Trump’s trade tariffs as a step toward “rebalancing” the US economy misses the point. While some economies, like China and Germany, need to increase domestic spending, the US needs to increase national saving.
thinks US Treasury Secretary Scott Bessent is neglecting the need for spending cuts in major federal programs.
China’s prolonged reliance on fiscal stimulus has distorted economic incentives, fueling a housing glut, a collapse in prices, and spiraling public debt. With further stimulus off the table, the only sustainable path is for the central government to relinquish more economic power to local governments and the private sector.
argues that the country’s problems can be traced back to its response to the 2008 financial crisis.
باريس/كوالالمبور ــ لم يكن ظهور فيروس SARS-CoV-2 سببا في اندلاع جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19) العالمية وحسب، بل تسبب أيضا في إشعال شرارة هجمة شرسة من المعلومات المضللة. فقد روج بعض المضللين لعقاقير مثل هيدروكسي كلوروكوين كعلاجات للمرض، على الرغم من عدم كفاية الأدلة العلمية التي تؤكد على فعاليتها؛ وأعلن آخرون عن لقاح كوفيد-19 قبل اختبار سلامته وفعاليته بدقة. من ناحية أخرى، تنتشر على نطاق واسع على وسائط التواصل الاجتماعي نظريات مؤامرة شاذة وبعيدة الاجتمال حول الجائحة.
تُـعَـرِّف منظمة الصحة العالمية "الجائحة المعلوماتية" على أنها "وفرة مفرطة من المعلومات ــ بعضها دقيق وبعضها الآخر غير دقيق ــ التي تجعل من الصعب على الناس العثور على مصادر جديرة بالثقة ويمكن التعويل عليها للإرشاد والتوجيه عندما يحتاجون إليها". واليوم، يهدد الحجم الهائل من المعلومات الخاطئة والمضللة حول كوفيد-19 بتقويض الاستجابات القائمة على الأدلة للجائحة ــ ولا يجوز للعلماء أن يقفوا موقف المتفرج.
على سبيل المثال، عقدت جمعية الإيدز الدولية مؤخرا أول مؤتمر دولي افتراضي حول الإيدز وأول مؤتمر قائم على الملخصات حول كوفيد-19. لكن البحث المهم الذي جرى تقديمه في هذه الاجتماعات مهدد بالضياع بالفعل وسط طوفان من المحتوى الذي يروج له منكرو الـعِـلم وأصحاب نظريات المؤامرة الذين يتحدون صراحة الأساليب البحثية الراسخة. يتمثل أمر آخر أقل بروزا، لكنه لا يقل انتشارا وضررا، في تحريف الحقائق على نحو أكثر براعة وحِذقا، والدعاية، والمبالغة في ما يتعلق بكوفيد-19. ولهذا، يحتاج العالم إلى العلماء للمساعدة في فصل الحقائق عن شبه الحقائق.
بصفتنا باحثين دوليين في مجال فيروس نقص المناعة البشرية، فإننا نعرف ما هو على المحك. على مدار أربعة عقود من الزمن، كان بوسعنا أن نعاين بشكل مباشر العواقب المميتة للمعلومات المضللة. لقد واجهنا منكري الإيدز والمتطرفين المناهضين للقاحات، وتصدينا لوصمة العار والأساطير التي لا تزال تمنع العديد من أولئك الأشد احتياجا إلى الرعاية الصحية المنقذة للحياة من الوصول إليها.
يُـذَكِّـرُنا كثيرون من أولئك الذين يتحدثون بصخب على موجات الأثير ويُـمـطِرون الإنترنت بوابل من الادعاءات الكاذبة حول كوفيد-19 ــ يعرضون علاجات وهمية، ويستخفون بعواقب هذا المرض، ويتجاهلون أولئك الأكثر تضررا بالفيروس ــ بنبرة الأحاديث حول وباء الإيدز في أيامه الأولى. فرغم أن وباء الإيدز علمنا أن المعلومات المضللة قاتلة، فقد أظهر لنا أيضا مدى قوة المجتمعات الطبية والبحثية عندما تتحد معا، وتتحدث بصراحة، وتطالب بالاهتمام والتحرك العاجل لمعالجة الأزمة.
يتدرب العلماء والأطباء والباحثون على الموضوعية. لكن الموضوعية لا تعني الصمت. بل يستلزم التصدي للهجمات على الـعِـلم أن يتحدى الباحثون ومقدمو الرعاية الصحية على الخطوط الأمامية المنكرين وأن يفضحوا افتقارهم إلى الأدلة، وتلاعبهم بالبيانات، وأكاذيبهم الصريحة.
Introductory Offer: Save 30% on PS Digital
Access every new PS commentary, our entire On Point suite of subscriber-exclusive content – including Longer Reads, Insider Interviews, Big Picture/Big Question, and Say More – and the full PS archive.
Subscribe Now
لم تكن أعظم انتصارات الباحثين في مجال الإيدز راجعة إلى الاختراقات العلمية وحدها، بل كانت نتيجة لتشكيل جبهة موحدة مع صناع السياسات والناشطين على مستوى القاعدة. ومنذ الأيام الأولى للاستجابة لفيروس نقص المناعة البشرية، ضغط النشطاء على الساسة لحملهم على إعطاء العلماء المزيد من الموارد لإجراء البحوث حول هذا الفيروس، ودعوا إلى تحسين القدرة على الوصول إلى العلاج.
تُـعَـد الاستجابة العالمية لكوفيد-19 أحدث دليل على أننا أكثر قدرة على الصمود في وجه التهديدات الصحية عندما يحرص العلماء والساسة على تبادل المعلومات، ويتلقى الجمهور معلومات واضحة وشفافة. كانت البلدان الأفضل أداء في التعامل مع الجائحة هي تلك حيث عملت هذه الفئات الثلاث معا بفعالية.
يتطلب ضمان مثل هذا التعاون أن ينبري العلماء ــ الذين دُفِـع بهم إلى دائرة الضوء العالمية هذا العام وتعرضوا للهجوم في كثير من الأحيان ــ إلى الدفاع عن سلامة العملية العلمية وتشكيل تحالفات أقوى مع صناع السياسات والناشطين. ربما يستغرق البحث العلمي بعض الوقت، وربما تتغير الاستنتاجات مع ورود أدلة جديدة وتحليل هذه الأدلة، ولكن لا يجوز لصناع السياسات أن يتلاعبوا بصحة الناس من خلال التحايل على العملية لتحقيق مكاسب سياسية.
يتعين علينا أن نحتشد خلف زملائنا لنُـظـهِـر للعالم أنهم ليسوا وحدهم في مناصرة السياسات والتدخلات القائمة على الأدلة لمكافحة كوفيد-19. لقد أصبحنا جميعا بفضل عملنا كباحثين في مجال فيروس نقص المناعة البشرية نشطاء بشكل تلقائي. والآن، أكثر من أي وقت مضى، يتعين على زملائنا العلميين أن يضطلعوا بدور دفاعي مماثل في مواجهة الأكاذيب والأساطير، وأن يحرصوا على حماية سلامة العملية العلمية.
على هذا، فإننا ندعو الحكومات إلى حماية استقلال المؤسسات العلمية الوطنية والمتعددة الأطراف. ونحن نوجه الدعوة أيضا إلى شركات وسائط التواصل الاجتماعي لاحتواء انتشار المعلومات المضللة بدلا من تسهيل انتشارها. فلم يعد بوسع شركات التكنولوجيا العملاقة أن تتظاهر بكونها مجرد منصات لا تتحمل أي مسؤولية عن الرسائل التي تعمل على تضخيمها.
على نحو مماثل، ندعو وسائل الإعلام إلى ضمان دقة عرض التغطية والعناوين الرئيسية للمعرفة العلمية. فمن الواضح أن تقديم النتائج العلمية بشكل انتقائي أو خارج السياق من أجل الترويج لسرديات بعينها ممارسة غير أخلاقية على الإطلاق. كما ندعو المشرعين إلى تبني القوانين والسياسات المرتبطة بالصحة القائمة على الأدلة فقط. الواقع أن العديد من القوانين لا تزال تجرم المرض بدلا من وصمة العار وما يصاحبها من تمييز.
إن احتواء الجائحة المعلوماتية المرتبطة بكوفيد-19 يتطلب ليس تحري الحقائق وحسب، بل وأيضا توفير الدعم المنسق والاستراتيجي الذي اشتهر به أولئك الذين يكافحون فيروس نقص المناعة البشرية. فالصمت قاتل في مواجهة المعلومات المضللة. ويتعين على جميع شرائح المجتمع أن تتحرك الآن لتبديد الأساطير وتضخيم صوت الـعِـلم. فحياتنا، وخاصة حياة أفقر الناس وأكثرهم تهميشا، تعتمد على هذا.
شارك في التوقيع على هذا التعليق أنطون بوزنياك، أستاذ الأبحاث السريرية في كلية لندن لعلوم الصحة وطب المناطق الحارة، وطبيب استشاري في مستشفى تشيلسي وويستمنستر، والرئيس السابق لجمعية الإيدز الدولية (2018-2020)؛ ليندا جيل بيكر، أستاذة الطب ومديرة مركز ديزموند توتو لأبحاث مرض نقص المناعة البشرية في جامعة كيب تاون، ورئيسة جمعية الإيدز الدولية سابقا (2016-2018)؛ وكريس برير أستاذ الصحة العامة وحقوق الإنسان في كلية جونز هوبكنز بلومبيرج للصحة العامة، والرئيس السابق لجمعية الإيدز الدولية (2014-2016).
ترجمة: إبراهيم محمد علي Translated by: Ibrahim M. Ali